طه عبد الرحمن
48
سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية
الأمر فيه بالبطلان ، فلا أقل من أنه موضع أخذ ورد ، وأنصار الرد فيه أكثر من أنصار الأخذ ، ذلك أن كثيرا من التفرقات التي كانت مسلّمة عند الجمهور قد صار مشكوكا فيها عند فقهاء العلم المعاصرين ، نحو " التفرقة بين الواقعة والنظرية " و " التفرقة بين الملاحظة والنظرية " و " التفرقة بين التعريف والنظرية " و " التفرقة بين التحليل والتركيب " و " التفرقة بين الوصف والتفسير " و " التفرقة بين الواقعي والمثالي " و " التفرقة بين الواقعي والاعتقادي " و " التفرقة بين الصوري والتجربي " ؛ وقد كانت " التفرقة بين الواقعة والقيمة " أكثرها استقطابا لأنظار الفلاسفة ومثارا لجدل عميق وخصيب بينهم ليس هذا موضع تفصيله ، وإنما حسبنا أن نشير إلى أن ما ظهر في هذا الجدل من وجوه القدح في هذه التفرقة ليس بالقليل . * فمنها أن ممارسات البحث العلمي التي نتبعها في تمييز ما هو واقعة مما ليس واقعة يفترض قيما ومقاصد مختلفة هي عبارة عن رؤيتنا الخاصة للعالم ، أي يفترض ، على سبيل المثال ، معايير للعقلانية وللموضوعية كما نراهما ، بحيث إذا تغيرت هذه المعايير المخصوصة تغيرت الوقائع المقبولة . * ومنها أيضا أن الأوصاف التي يمكن أن نأتي بها للواقعة الواحدة لا تقف عند حد ، لكن هذه الأوصاف تبقى مجرد سرد ليس تحته كبير طائل ، حتى نستطيع أن نحدد تصورنا للوجه الذي يكون به الوصف عندنا مفيدا ومثمرا ، ولا طريق لنا إلى هذا التحديد إلا إذا توسلنا في ذلك بقيم ومقاصد تختص بنا . * ومنها كذلك أن الأوصاف الكثيرة للواقعة الواحدة قد تكون متباينة فيما بينها لوجود تباين في المعايير التي استندت إليها ، على الرغم من ثبوت فائدة كل واحد من هذه الأوصاف في نطاق نسق المعايير الخاص به . ولا يخفى أن المراد ب " الخبر " في مقابلته بالقيمة هنا هو بالذات الدلالة على معنى " الواقعة " ، فالخبر هو كل قول يصف واقعة وصفا إن جاء مطابقا لها ، كان صادقا وإن جاء مخالفا لها ، كان كاذبا ؛ وعلى هذا ، تكون الشّبه التي أوردناها على " التفرقة بين الواقعة والقيمة " واردة أيضا على " التفرقة بين الخبر والقيمة " ، فلا نراها إلا تفرقة ناتجة عن الصنعة الفلسفية أو عن الإجرائية العلمية مثلها في ذلك مثل التفرقة في الشيء الواحد بين ذاته وصفاته . والحقيقة الثانية هي أن الفصل بين الخبر والقيمة في المجال الديني أمر مستحيل ، وبيان ذلك من الوجوه الثلاثة الآتية :